عند مدخل القصبة السفلى، يهيمن مسجد كتشاوة على ساحة ابن باديس بواجهته الضخمة وبرجيه. كان مسجدًا قديمًا، ثم أصبح كاتدرائية خلال فترة الاستعمار الفرنسي، قبل أن يُعاد تخصيصه للعبادة الإسلامية بعد الاستقلال. وتحمل هندسته المعمارية آثار التحولات السياسية والدينية والعمرانية التي عاشتها مدينة الجزائر.

يقع مسجد كتشاوة عند سفح الأزقة الأولى للقصبة، ويشكّل نقطة عبور بين المدينة العتيقة وساحة الشهداء. ويجعل منه سُلّمه الضخم، وأقواسه، وبرجاه المتناظران، أحدَ أبرز المعالم المميزة لمركز الجزائر القديم.

غير أن المبنى الحالي لا يطابق تمامًا المسجد الذي كان يحتل هذا الموقع في الماضي، إذ نتج عن عدة تحولات متتالية. وتفسر هذه القصة المعقدة مظهره المميز، الذي تلتقي فيه عناصر جزائرية، ومغاربية، ورومانية-بيزنطية، وأوروبية تعود إلى القرن التاسع عشر.

 

معلومات عملية

الاسم الحالي:
قصر حسن باشا

طبيعة المكان:
مسجد تاريخي ومكان نشط للعبادة

1436:
التاريخ المتعارف عليه تقليديًا لبناء أول مزار ديني.

1794:
إعادة بناء مهمة في عهد حسن باشا.

1832:
تخصيصه للعبادة الكاثوليكية.

ابتداءً من سنة 1844:
هدم المسجد القديم وبناء الكاتدرائية.

 

تاريخ وهندسة المبنى

لا يزال التاريخ الدقيق لتأسيس المسجد الأول غير مؤكد. فبعض الروايات ترجعه إلى القرن الخامس عشر، في حين أن أول وثيقة معروفة تثبت وجوده رسميًا تعود إلى سنة 1612. ومن ثم، يُرجَّح أن يكون مكان عبادة أقدم قد سبق عمليات إعادة البناء اللاحقة.

ويرتبط اسم «كتشاوة» عمومًا بتعبير تركي يعني «هضبة الماعز»، في إشارة إلى الاسم القديم للمنطقة. غير أن هذا التفسير يتعلق باسم المكان، ولا يسمح وحده بتحديد أصل هندسته المعمارية.

أُعيد بناء المسجد أو توسع بشكل كبير سنة 1794، في عهد الداي حسن باشا. وكان يقع آنذاك في أحد أهم أحياء المدينة، بالقرب من قصر حسن باشا، ودار عزيزة، والجنينة القديمة، التي كانت مقرًا تاريخيًا للسلطة.

مسجد كتشاوة: مسجد جزائري قديم غيّره الاستعمار

خلافًا لفكرة شائعة، فإن مسجد كتشاوة ليس تأسيسًا عثمانيًا ولا إنشاءً عثمانيًا. فقد يعود وجوده إلى فترة سبقت استقرار العثمانيين في الجزائر في بداية القرن السادس عشر. وتضع عدة مصادر أول مزار ديني في هذا الموقع منذ القرن الخامس عشر، بينما يُعدّ عقد حُبُس مؤرخًا بسنة 1612 أول إثبات كتابي معروف لوجوده. لذلك، فإن إعادة البناء التي أُنجزت في عهد حسن باشا سنة 1794 تمثل مرحلة مهمة من تاريخه، لكنها لا تُعدّ تاريخ تأسيسه.

كما أن الشكل الحالي للمعلم لا يعود إلى تلك الفترة. فبعد الاحتلال الفرنسي، صودر المسجد القديم وحُوّل إلى مكان للعبادة الكاثوليكية، ثم هُدم جزء كبير منه من أجل بناء كاتدرائية القديس فيليب. أما الهيكل والمخطط والواجهة التي نراها اليوم، فهي ناتجة أساسًا عن إعادة البناء الاستعمارية التي أُنجزت خلال القرن التاسع عشر.

وبعد الاستقلال، أُعيد مسجد كتشاوة إلى العبادة الإسلامية، فأصبح بذلك معلمًا مركبًا بعمق. فهو يجمع بين ذاكرة مزار جزائري سابق للعهد العثماني، وآثار تحولاته خلال فترة إيالة الجزائر، وهندسة معمارية حالية موروثة إلى حد كبير عن الفترة الاستعمارية. ويعكس تاريخه مختلف الطبقات التاريخية والدينية والسياسية التي شكّلت القصبة السفلى.

 

الهندسة المعمارية

تحكي هندسة مسجد كتشاوة بشكل مباشر قصة التحولات التي طرأت على المعلم. فسُلّمه الكبير يؤدي إلى رواق محمول على أعمدة من الرخام، يقع بين برجين مثمنين. ويذكّر التكوين العام للواجهة بكنيسة ذات برجين، في حين تستعير الأقواس والزخارف الهندسية وتيجان الأبراج مفردات زخرفية من شمال إفريقيا والعالم الإسلامي.

وفي الداخل، تشهد الصحن المركزي والممرات الجانبية والتوزيع الطولي للمساحة بوضوح على أنه كان كاتدرائية في السابق. ومع ذلك، تمنح الأقبية والقبة والأعمدة والزخارف المبنى طابعه المميز.

لذلك، لا ينبغي تقديم مسجد كتشاوة على أنه مسجد من القرن الثامن عشر ظلّ محفوظًا دون تغيير. فهو معلم تشكّل عبر طبقات تاريخية متعددة: مزار جزائري قديم، وكاتدرائية استعمارية، ومسجد أُعيد تهيئته بعد الاستقلال.

نصائح للزيارة

يحتل مسجد كتشاوة مكانة خاصة في ذاكرة مدينة الجزائر. فهو يشهد في الوقت نفسه على التاريخ الديني للقصبة السفلى، وعلى السياسة الاستعمارية القائمة على الاستيلاء على أماكن العبادة، وعلى مقاومة سكان المدينة.

وقد منحه رجوعه إلى العبادة الإسلامية سنة 1962 قيمة وطنية تتجاوز وظيفته الدينية وحدها. ويرمز المعلم اليوم إلى استمرارية الذاكرة الجزائرية رغم عمليات الهدم، وتغيّر الاستعمالات، والتحولات التي فُرضت على هندسته المعمارية.

كما يقع مسجد كتشاوة ضمن نطاق قصبة الجزائر، المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ سنة 1992