إنّ بياض مدينة الجزائر، وخليجها المهيب، وتنوّع أحيائها، يمنحها هويةً يسهل التعرّف إليها من النظرة الأولى. ففيها تتجاور قصور القصبة مع مباني الواجهة البحرية، والمنشآت ذات الطراز المغاربي الجديد، والإبداعات الحداثية، والمشاريع المعاصرة الكبرى.
ومع ذلك، لا تكشف الجزائر عن نفسها من النظرة الأولى. إذ ينبغي التجول فيها سيرًا على الأقدام، والصعود نحو مرتفعاتها، وعبور أسواقها، ومراقبة واجهات مبانيها، والتوقف في حدائقها، لفهم مدينة صاغها أكثر من ألفي عام من التاريخ.
صاغها أكثر من ألفي عام من التاريخ، وترتفع الجزائر على شكل مدرّج في مواجهة البحر الأبيض المتوسط. فمن الميناء إلى الأحياء الواقعة في المرتفعات، تكشف شوارعها المنحدرة وسلالمها وشرفاتها عن مشاهد عديدة للخليج. وقد ساهم ارتباط المدينة الدائم بالبحر في تنشيط المبادلات، وجعل منها ملتقى استراتيجيًا بين إفريقيا وأوروبا والعالم المتوسطي.
تعود أصول الجزائر إلى مدينة إيكوسيم القديمة، التي أصبحت تُعرف باسم إيكوسيوم في العهد الروماني. وفي القرن العاشر، أعاد بولغين آت زيري تأسيس المدينة الوسيطة، التي كانت تُعرف باسم دزائر آت مزغنة. وابتداءً من القرن السادس عشر، أصبحت الجزائر عاصمة لإيالة مرتبطة بالإمبراطورية العثمانية، وفرضت نفسها قوةً بحرية مهمة.
وتحافظ القصبة، المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، على ذاكرة تلك الحقبة. فأزقتها الضيقة، وممراتها المسقوفة، وبيوتها ذات الأفنية، وقصورها ومساجدها، تشكّل تراثًا استثنائيًا. ومن بين معالمها البارزة: دار عزيزة، وقصر مصطفى باشا، ومسجد كتشاوة، وقصر الرياس.
ابتداءً من سنة 1830، شهدت المدينة تحولات عميقة. فقد أعادت الشوارع الواسعة، والمباني ذات الأقواس، والمنشآت الضخمة، رسم وسط المدينة والواجهة البحرية. وأصبحت البريد المركزي، وهو مثال شهير على الطراز المغاربي الجديد، أحد رموز العاصمة.
ثم أضافت الهندسة المعمارية الحديثة والمنشآت التي أُنجزت بعد الاستقلال ثراءً إلى المشهد الحضري. وتشهد على هذا التطور المستمر مجموعات فرناند بويون، ومقام الشهيد، وفندق الأوراسي، وجامع الجزائر، وأوبرا الجزائر.
إن اكتشاف الجزائر يعني السفر بين مختلف العصور: التجول في القصبة، والإعجاب بأقواس الواجهة البحرية، والتنزه في حديقة التجارب، ثم التوجه نحو المرتفعات للتأمل في الخليج. فالجزائر، القديمة والأمازيغية والعثمانية والاستعمارية والمعاصرة، تكشف عن هوية متعددة، حيّة ومتوسطية بعمق.